السيد علي عاشور

109

موسوعة أهل البيت ( ع )

العقول ولا تنقاد النفوس ، لأنه إن ظهرت أية معجزة منه لقالوا : لو كان لنا مثل ما كان لك من القدرة والقوة والعلم ، وغيرها من الصفات القاهرة على صفات البشر لفعلنا مثل فعلك ، فتقوى الشبهات من هذه الجهة ، وبذلك علم ضعف ما تخيّل ضعفاء العقول من النّاس ، أنّ الأنبياء إذا كانوا من طائفة الملائكة من حيث إنّ علومهم أكثر وقدرتهم أشدّ ومهابتهم أعظم ، وامتيازهم عن الخلق أكمل والشبهات والشكوك في نبوّتهم ورسالتهم أقل ، والحكيم إذا أراد تحصيل مهم فكلّ شيء كان أشدّ إفضاء إلى تحصيل ذلك المطلوب كان أولى . وهذه الوجوه الثلاثة ما أجاب بها رسول اللّه مشركي قريش ، لمّا جادلوه واحتجوا عليه بقولهم : لو كنت نبيّا لكان معك ملك يصدّقك ونشاهده ، ولو أراد اللّه أن يبعث إلينا نبيّا لكان إنّما يبعث إلينا ملكا لا بشرا مثلنا ، كما هو المروي في الاحتجاج للطبرسي رضوان اللّه عليه والبحار وكثير من كتب الحديث : إنّ رسول اللّه كان قاعدا ذات يوم بمكّة بفناء الكعبة ، إذ اجتمع جماعة من رؤساء قريش منهم الوليد بن المغيرة المخزومي وأبو البختري بن هشام وأبو جهل بن هشام والعاص بن وائل السهمي ، وعبد اللّه بن أبي أميّة المخزومي ، وكان معهم جمع ممّن يليهم كثير ورسول اللّه في نفر من أصحابه يقرأ عليهم كتاب اللّه ويؤدي إليهم عن اللّه أمره ونهيه ، فقال المشركون بعضهم لبعض : لقد استفحل أمر محمّد وعظم خطبه فتعالوا نبدأ بتقريعه وتبكيته وتوبيخه والاحتجاج عليه وإبطال ما جاء به ، ليهون خطبه على أصحابه ويصغر قدره عندهم ، فلعلّه ينزع عمّا هو فيه من غيّه وباطله وتمرّده وطغيانه ، فإن انتهى وإلّا عاملناه بالسيف الباتر . قال أبو جهل : فمن الذي يلي كلامه ومجادلته ؟ قال عبد اللّه بن أبي أميّة المخزومي : أنا إلى ذلك ، أفما ترضاني له قرنا حسيبا ومجادلا كفيّا ؟ قال أبو جهل : بلى . فأتوه بأجمعهم فابتدأ عبد اللّه بن أبي أميّة المخزومي فقال : يا محمد لقد ادعيت دعوى عظيمة وقلت مقالا هائلا ، زعمت أنّك رسول اللّه ربّ العالمين ، وما ينبغي لربّ العالمين وخالق الخلق أجمعين ، أن يكون رسوله مثلك بشرا مثلنا ، تأكل ممّا نأكل وتمشي في الأسواق كما نمشي - وساق الحديث إلى أن قال - قال المخزومي : ولو كنت نبيّا لكان معك ملك يصدّقك ونشاهده ، بل لو أراد اللّه أن يبعث إلينا نبيّا لكان إنّما يبعث إلينا ملكا ، لا بشرا مثلنا ، ما أنت يا محمّد إلّا مسحورا ولست نبيّا - وساق الحديث إلى أن قال « 1 » : ثمّ قال رسول اللّه : وأمّا قولك : ( ولو كنت نبيّا لكان معك ملك يصدّقك ونشاهده ، بل لو أراد أن يبعث إلينا نبيا لكان إنّما يبعث لنا ملكا لا بشرا مثلنا ) والملك لا تشاهده حواسكم ، لأنه من جنس هذا الهواء لأعيان منه ولو شاهدتموه بأن يزاد في قوى أبصاركم لقلتم ليس هذا ملكا بل هذا

--> ( 1 ) البحار : 9 / 270 ، والاحتجاج : 1 / 27 .